هل يبكي "القيصر" العربي؟
تساق حكاية العلاقة الشهيرة بين القيصر الروسي ورائعة دوستويفسكي "ذكريات من منزل الأموات" لغايات وأسباب متعددة، منها أثر الأدب والثقافة على الحياة العامة، بما في ذلك حكام الدول أنفسهم حتى ولو كانوا من الأباطرة أو القياصرة الذين عرفوا بسلطاتهم المطلقة، وهيمنتهم إلى حد تشبّههم بالآلهة.
رواية دوستويفسكي هذه كان قد كتبها -كما هو معروف- من تجربة نفيه لسيبيريا، ومعاناته المريرة هناك، ومعايشته السجناء والمنفيين، وتعرّفه عن كثب على ما يجرح أرواحهم، ويدمي أجسادهم من العذاب المبرح الذي يقاسونه جراء ربط أقدامهم بأثقال على شكل كرات حديدية يضطرون لجرها كلما مشوا وكيفما تحركوا.
وأحسب أن كاتبنا لم يكن يعتقد وهو ينجز روايته هذه أنها ستفعل ما فعلته، فتغيّر على نحو عملي فعلي ما غيّرته من أحوالهم، وترفع عنهم أحد أكبر أساليب التعذيب التي يعانونها، حين تشاء الأقدار والمصادفات فيقرأ القيصر الروسي الرواية، وينتابه شيء من الحزن أو الكرب أو التعاطف أو الشفقة -أو أي مسمى كان- فيصدر قرارا يمنع فيه شدّ أقدام السجناء بالكرات الحديدية الثقيلة، وذلك بعد أن بكى -على ذمة الدروبي- تأثرا بالآلام والعذابات التي جاء وصفها في رواية دوستويفسكي.
دموع الطغاة
إذن، ليس من شطح الخيال أن يحدث فيقرأ قيصر أو إمبراطور أو طاغية رواية، وليس من شطط الخيال، أيضا، أن يتأثر ويبكي؛ فالقادة والزعماء الحكام بشر -كما يفترض- والناس المحكومون بشر أيضا، والعمل الأدبي -خاصة في المستوى الرفيع المتبصر- لا بد أن يترك أثره مهما كان موقع قارئه.



